تقنية واعدة تواجه تحديات غير متوقعة
كشفت دراسة علمية حديثة، نُشرت في دورية “ساينس” (Science)، أن تقنية “تعزيز القلوية”، التي تُعد إحدى الاستراتيجيات الواعدة لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، قد لا تكون بالفعالية المرجوة في مكافحة تغير المناخ. ويأتي هذا التحذير نتيجة لخسائر كيميائية تحدث بعيداً عن موقع تطبيق التقنية، مما يقلل من قدرتها الحقيقية على تخزين الكربون بشكل دائم.
تعتمد فكرة “تعزيز القلوية” على إضافة مواد صخرية أو معدنية قلوية إلى التربة أو المسطحات المائية. تذوب هذه المواد تدريجياً، وتتفاعل مع ثاني أكسيد الكربون لتحويله إلى صورة ذائبة يمكن تخزينها في المياه والمحيطات لفترات طويلة. تُعتبر هذه العملية محاكاة وتسريعاً لعملية التجوية الطبيعية للصخور، التي تحدث ببطء شديد على مدى العصور الجيولوجية وتلعب دوراً حيوياً في تنظيم مستويات الكربون على كوكب الأرض.
الخسائر الكيميائية: ثغرة في الحسابات
لكن الدراسة أشارت إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في كمية الصخور المضافة أو مقدار القلوية المتحررة في التربة أو المياه، بل في مصير هذه القلوية بعد ذلك. فالأيونات القلوية، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم، التي تطلقها هذه المواد، قد لا تبقى ذائبة في الماء بشكل دائم. بل يمكن أن تلتصق بأسطح المعادن، أو تدخل في تفاعلات كيميائية معقدة داخل التربة والرواسب، أو حتى تتحول إلى جزء من معادن جديدة. وعندما يحدث ذلك، تفقد المياه جزءاً كبيراً من قدرتها على تخزين ثاني أكسيد الكربون، حيث تُسحب القلوية التي كان من المفترض أن تدعم عملية التخزين من المحلول.
وحذرت الدراسة من أن هذه الخسائر قد تبدأ في موقع نثر الصخور نفسه، وتستمر خلال رحلة المياه من اليابسة عبر المياه الجوفية والأنهار ومصباتها والمناطق الساحلية، قبل أن تصل إلى المحيط. هذا يعني أن الحسابات التي تركز فقط على موقع التطبيق قد تكون غير كافية، وقد تؤدي إلى تقدير مبالغ فيه لكمية الكربون التي أزيلت فعلياً وتم تخزينها بصورة دائمة.
أدلة من الأنظمة الطبيعية والمخاطر البيئية
تستند الدراسة إلى أدلة قوية من أنظمة طبيعية، حيث تشير إلى أن نسبة كبيرة من الأيونات الذائبة يمكن أن تُزال من المياه الداخلية قبل وصولها إلى المحيطات. ففي بعض الأنظمة البازلتية، التي تُعد بيئات مستهدفة بشكل كبير في خطط التجوية المعززة، قد تتراوح خسائر الأيونات بين 30% وقد تصل إلى 90%، اعتماداً على العنصر والظروف البيئية المحيطة. على سبيل المثال، يمكن لدلتا الأمازون وحدها أن تستوعب ما يصل إلى 67% من أيونات المغنيسيوم القادمة مع مياه الأنهار، مما يؤكد دور مصبات الأنهار والدلتا والمناطق الساحلية كمرشحات كيميائية طبيعية.
كما لفتت الدراسة إلى أن أطر الرصد والمحاسبة الحالية في بعض مشروعات تعزيز القلوية غالباً ما تركز على القياسات المحلية في موقع التطبيق، مثل الطبقات العليا من التربة. هذا الأسلوب قد لا يرصد ما يحدث لاحقاً أثناء انتقال المياه والمواد الذائبة إلى مناطق أخرى، مما قد يؤدي إلى حصول بعض المشروعات على أرصدة كربونية أعلى من الكمية الحقيقية التي أزيلت وخزنت على المدى الطويل.
إضافة إلى ذلك، حذرت الدراسة من مخاطر بيئية وصحية محتملة تعتمد على نوع الصخور المستخدمة وظروف نشرها. فقد يؤدي ذوبان بعض الصخور إلى إطلاق عناصر قد تكون ضارة، مثل النيكل والكروم والفاناديوم، في التربة أو المياه. وهذا بدوره قد يؤثر سلباً على الكائنات الدقيقة ودورات المغذيات وسلامة المحاصيل والنظم المائية. كما أن الغبار الناتج عن نشر الصخور المطحونة قد يشكل خطراً تنفسياً في بعض الظروف.
دعوة إلى الحذر والمزيد من البحث
لا ترفض الدراسة تقنية “تعزيز القلوية” بشكل قاطع، بل تدعو إلى التعامل معها بحذر علمي أكبر. فما زالت هناك أسئلة مهمة تتعلق بقدرة العلماء على قياس الخسائر بدقة، وتأثير هذه التقنية على دورات الكربون الطبيعية، وعلى النظم البيئية المائية والتربة.
وخلصت الدراسة إلى أن تعزيز القلوية قد يظل أداة مهمة ضمن جهود مواجهة تغير المناخ، لكنه يتطلب اختبارات ميدانية ومحاسبة كربونية أكثر صرامة وشمولية. فالنجاح الحقيقي لهذه التقنية لا يتوقف على قدرتها على التقاط ثاني أكسيد الكربون في البداية فقط، بل على إثبات أن هذا الكربون سيبقى مخزناً فعلاً وبصورة دائمة، من موقع التطبيق وحتى نهاية رحلته في الأنهار والسواحل والمحيطات.









