في خطوة علمية واعدة قد تحمل مفتاح تعزيز الأمن الغذائي العالمي، نجح باحثون أميركيون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في رسم خريطة جينية مفصلة وغير مسبوقة لنمو البذور. هذا “الأطلس الجيني” الجديد يهدف إلى كشف الأسرار الدقيقة لتطور البذور، مما يمهد الطريق لتطوير محاصيل زراعية أكثر قدرة على تحمل الظروف البيئية القاسية مثل ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وتغير خصوبة التربة.
تكتسب هذه الدراسة، التي نُشرت في دورية “Nature Plants” المرموقة، أهمية بالغة نظراً للدور المحوري الذي تلعبه بذور المحاصيل الأساسية كالقمح والأرز والذرة في توفير الغذاء والسعرات الحرارية لمعظم سكان العالم. وعلى الرغم من أهميتها، لا يزال هناك الكثير من الغموض يحيط بالآليات الجينية المعقدة التي تتحكم في نمو البذور، وكيفية انتقال المغذيات إليها، وتكوين الصفات الوراثية التي تمنحها المرونة لمواجهة التحديات البيئية.
تفاصيل الأطلس الجيني
ركز فريق البحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على نبات “أرابيدوبسيس ثاليانا”، وهو نبات صغير من عائلة الخردل يُعد نموذجاً مثالياً للأبحاث النباتية، ويرتبط بيولوجياً بمحاصيل اقتصادية مهمة مثل الكانولا. قام الباحثون بتصميم أطلس جيني يوضح بدقة أي الجينات تكون نشطة وأيها خاملة في أنواع مختلفة من الخلايا خلال ثلاث مراحل رئيسية من تطور البذرة بعد التلقيح. وتشمل هذه المراحل نمو الجنين النباتي، والنسيج المغذي الغني بالمغذيات المعروف باسم “الإندوسبرم”، بالإضافة إلى الأنسجة المحيطة التي تنشأ من النبات الأم.
عندما يكون الجين نشطاً، فإنه ينتج جزيئات الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA)، التي توجه الخلية لإنتاج البروتينات الضرورية لوظائفها الحيوية. ومن خلال تحديد مكان وزمان نشاط هذه الجينات، يتمكن العلماء من فك شفرة الدور المحدد لكل نوع من الخلايا في عملية بناء البذرة.
اكتشافات رئيسية وآفاق مستقبلية
كشفت الدراسة عن اكتشافات مهمة، منها تحديد مجموعة صغيرة من الخلايا القريبة من جنين النبات تنشط فيها جينات مسؤولة عن إنتاج هرمونات نباتية تُعرف باسم “البراسينوستيرويدات”. هذه الهرمونات تلعب دوراً حاسماً في تنظيم النمو. ورغم أن دراسات سابقة أشارت إلى أن تعطيل إنتاج هذه الهرمونات قد يقلل من حجم البذور، إلا أن الموقع الدقيق لإنتاجها داخل البذرة لم يكن معروفاً. وتشير البيانات الجديدة إلى أن هذه الخلايا تعمل بالتنسيق مع خلايا مجاورة في الإندوسبرم، مما يوحي بوجود آلية مشتركة لضبط حجم البذرة.
كما أظهر الأطلس أن الإندوسبرم، وهو النسيج الذي يغذي الجنين ويتحول لاحقاً إلى الجزء الصالح للأكل في العديد من المحاصيل الرئيسية، يحتوي على أنواع خلوية متخصصة أكثر مما كان يُعتقد سابقاً. وحدد الباحثون أيضاً مجموعة صغيرة من الخلايا التي قد تساهم في تكوين منطقة حيوية في الإندوسبرم، تقع عند الحدود التي تدخل منها المغذيات إلى البذرة من النبات الأم. هذه المنطقة تؤثر بشكل مباشر على كمية وتوقيت الموارد التي تصل إلى البذرة، وبالتالي على قدرتها على تخزين الطاقة في صورة زيوت ونشويات وبروتينات، وهي مواد لا غنى عنها لنمو البذرة وقيمتها الغذائية للبشر.
وفي هذا السياق، أكدت الباحثة الرئيسية في الدراسة، كارولين مارتن، أن هذا الأطلس يوفر إطاراً قوياً للعلماء لطرح أسئلة أكثر دقة حول كيفية نمو البذور، وإمكانية تحسين هذه العمليات في مختلف المحاصيل. ويشدد الباحثون على أن فهم تكوين البذور أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خاصة مع تزايد تعرض المحاصيل للإجهاد الحراري، لا سيما خلال مرحلة امتلاء البذور بالمغذيات. إن مواجهة أزمات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية تتطلب فهماً عميقاً لكيفية تكوين بذور المحاصيل، وطرق تخزينها للمغذيات، وقدرتها على النجاة من الضغوط البيئية المتزايدة.








