في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية التي تخلفها الحرب، خرج مئات الأوكرانيين إلى شوارع العاصمة كييف، الجمعة، في مظاهرات حاشدة مطالبين بإلغاء قانون جديد يمس جوهر الأمل لدى آلاف العائلات. هذا التشريع، الذي أُقر في فبراير 2024، يمنح المحاكم صلاحية إعلان وفاة الجنود المفقودين قانونياً قبل التأكد الكامل من مصيرهم، وهو ما تراه الأسر طعنة في قلوبها المثقلة بالانتظار.
تتجمع أصوات المحتجين، وعلى رأسهم عائلات الجنود المفقودين، في دعوة واضحة للحكومة لاستخدام حق النقض (الفيتو) ضد هذا القانون. بالنسبة لهم، فإن مساواة المفقود بالميت قبل استنفاد كافة السبل للبحث والتحقق هو أمر غير مقبول. تقول ماريانا ياتسيلينكو، البالغة من العمر 27 عاماً، والتي تعبر عن مشاعر الكثيرين: “خرجت جميع العائلات اليوم حتى لا تتم مساواة المفقودون بالأموات”. هذه الكلمات تلخص جوهر المعضلة: هل يمكن للورقة الرسمية أن تنهي الأمل الذي تتشبث به به القلوب؟
يأتي هذا الجدل في ظل أرقام مفزعة، حيث يشير السجل الأوكراني الموحد للأشخاص الذين اختفوا في ظروف خاصة إلى وجود أكثر من 90 ألف مفقود. هذه الأرقام لا تقتصر على فترة الغزو الروسي الشامل الذي بدأ في 24 فبراير 2022 فحسب، بل تمتد لتشمل حالات الاختفاء منذ عام 2014، عندما بدأت روسيا ضم شبه جزيرة القرم وتصاعد القتال في شرق أوكرانيا. السجل، الذي بدأ العمل به في مايو 2023، يضم معلومات عن عسكريين ومدنيين على حد سواء.
إن إعلان وفاة شخص مفقود، حتى لو كان إجراءً إدارياً يهدف إلى تسوية بعض الجوانب القانونية والمالية لعائلاتهم، يحمل في طياته أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة. ففي مجتمعات تعيش تحت وطأة الحرب، يبقى الأمل في العودة هو الشريان الذي يغذي الصبر. هذا القانون، بحسب المنتقدين، قد يغلق هذا الشريان مبكراً، ويحرم العائلات من فرصة الاستمرار في البحث أو حتى معرفة الحقيقة الكاملة.
لا تنشر روسيا ولا أوكرانيا أعداداً منتظمة لضحايا الحرب، لكن التقديرات تشير إلى مئات الآلاف من الضحايا، مما يجعل قضية المفقودين أكثر تعقيداً وإيلاماً. المظاهرات الحالية ليست الأولى من نوعها، مما يؤكد أن هذه القضية تمثل جرحاً غائراً في الوجدان الأوكراني، وتتطلب مقاربة أكثر إنسانية وتوازناً بين الضرورات القانونية والحق المشروع للعائلات في الأمل والمعرفة.








